الشيخ محمد رشيد رضا

101

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

منه للوجود الممكن - فقد اتفق العقل مع النقل على إثبات هذه الصفات لله بمعنى أكمل مما هي في خيار الناس ، ولكن لا يمكن وضع أسماء لها من كلام الناس تدل على الفرق بين مسمياتها في الخالق والمخلوق ، فوجب الرجوع في ذلك إلى الوحي الفاصل وهو قوله تعالى [ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ] فالتنزيه في الجملة الأولى السالبة أزال ما يستلزمه التشبيه في الجملة الثانية الموجبة ، بل قال الشيخ محيي الدين بن عربي في تفسير هذه الآية ان الايمان الصحيح هو الجمع بين التنزيه والتشبيه ( الفصل الثاني ) أفعال اللّه في تصرفه وتدبيره لأمور خلقه بمقتضى سننه ، لا بجعلهم مجبرين بقدرته قال تعالى ( 14 قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ) الآية . يتوهم أهل الجبر انها تدل على نحلتهم ، وبرده انه تعالى أمرهم بقتال المشركين ، ولو كانوا مجبرين لكان أمرهم لغوا وعبثا . وقوله ( يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ ) معناه يعذبهم بتمكين أيديكم من رقابهم قتلا ، ومن صدورهم ونحورهم طعنا ، ويؤكده الوعد بعده بنصرهم وفي معناه قوله ( 52 وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا ) وقال تعالى في آية ( 19 وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * وقال في آيتي 24 و 80 وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ * * وقال ( 37 وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ) وليس معنى هذه الآيات ان اللّه تعالى منعهم من الهداية بقدرته فصاروا عاجزين عنها ومجبرين على الفسق والظلم والكفر إجبارا ، وإنما معناها ما بيناه في تفسيرها وهو ان هذه الصفات التي رسخت في أنفسهم بكسبهم منافية لهدى اللّه تعالى الذي بعث به رسله بحسب سنته تعالى في الأسباب والمسببات ( راجع ص 219 و 236 و 419 و 567 ج 10 ) ويقابله قوله تعالى قبل الآية الأولى من هذه الآيات فيمن ترجى لهم الهداية بحسب سنن اللّه تعالى ( 18 إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ، فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ )